ابن المقفع

153

آثار ابن المقفع

حزينا مستحيا . فقالت أم الأسد لدمنة : قد عجبت منك ، أيها المحتال ، في قلة حيائك وكثرة قحتك « 1 » وسرعة جوابك لمن كلمك . قال دمنة : لأنك تنظرين إليّ بعين واحدة وتسمعين بأذن واحدة ، مع أن شقاوة جدي « 2 » قد زوت « 3 » عني كل شيء حتى لقد سعوا إلى الملك بالنميمة عليّ . وإني أرى كل شيء قد تنكر « 4 » حتى صار الناس لاستخفافهم به وطول كرامته إياهم وما هم فيه من العيش والنعمة لا يدرون في أي وقت ينبغي لهم الكلام ولا متى يجب عليهم السكوت . قالت : ألا تنظرون إلى هذا الخبيث مع عظم ذنبه كيف يجعل نفسه بريئا كمن لا ذنب له ؟ قال دمنة : إن الذين يعملون غير أعمالهم ليسوا على شيء كالذي يضع الرماد موضعا ينبغي أن يضع فيه الرمل ويستعمل فيه السرجين « 5 » ، والرجل الذي يلبس لباس المرأة ، والمرأة التي تلبس لباس الرجل ، والضيف الذي يقول أنا رب البيت ، والذي ينطق بين الجماعة بما لا يسأل عنه . وإنما الخبيث من لا يعرف الأمور ولا أحوال الناس ، ولا يقدر على دفع الشر عن نفسه ولا يستطيع ذلك . قالت أم الأسد : أتظن ، أيها الغادر المحتال ، بقولك هذا أنك تخدع الملك ولا يسجنك ؟ قال دمنة : الغادر هو الذي لا يأمن عدوه مكره ، وإذا استمكن من عدوه قتله على غير ذنب .

--> ( 1 ) قحتك : وقاحتك . ( 2 ) جدي : حظي . ( 3 ) زوت : بعدت ، زالت . ( 4 ) تنكر : تغير عن حاله . ( 5 ) السرجين : الدمال ، الزبل ، روث الحيوانات .